ابن خلدون

386

رحلة ابن خلدون

سفر السّلطان إلى الشام لمدافعة الطّطر عن بلاده هؤلاء الطّطر من شعوب التّرك ، وقد اتفق النسّابة والمؤرخون على أن أكثر أمم العالم فرقتان ، وهما : العرب والترك ، وليس في العالم أمة أوفر منهما عددا ، هؤلاء في جنوب الأرض ، وهؤلاء في شمالها ، وما زالوا يتناوبون الملك في العالم ، فتارة يملك العرب ويزحلون « 1725 » الأعاجم إلى آخر الشّمال ، وأخرى يزحلهم الأعاجم والتّرك إلى طرف الجنوب ، سنة الله في عباده . فلنذكر كيف انساق الملك لهؤلاء الطّطر ، واستقرت للدّول الإسلامية فيهم لهذا العهد فنقول : إن الله سبحانه خلق هذا العالم واعتمره بأصناف البشر على وجه الأرض ، في وسط البقعة التي انكشفت من الماء فيه ، وهي عند أهل الجغرافيا مقدار الرّبع منه ، وقسّموا هذا المعمور بسبعة أجزاء يسمّونها الأقاليم ، « 1726 » مبتدئة من خط الاستواء بين المشرق والمغرب ، وهو الخط الذي تسامت الشمس فيه رؤوس السكان ، إلى تمام السّبعة أقاليم . وهذا الخط في جنوب المعمور ، وتنتهي السبعة الأقاليم في شماله . وليس في جنوب خط الاستواء عمارة إلى آخر الرّبع المنكشف ، لإفراط الحرّ فيه ، وهو يمنع من التّكوين ، وكذلك ليس بعد الأقاليم السّبعة في جهة الشّمال عمارة ، لإفراط البرد فيها ، وهو مانع من التكوين أيضا ، ودخل الماء المحيط بالأرض من جهة الشرق فوق خط الاستواء بثلاث عشرة درجة ، في مدخل فسيح ، وانساح مع خطّ الاستواء مغرّبا ، فمرّ بالصّين ، والهند والسّند واليمن ، في جنوبها كلّها . وانتهى إلى وسط الأرض ، عند باب المندب ، « 1727 » وهو البحر الهندي والصيني ، ثم انحرف من طرفه الغربي في خليج عند باب المندب ، ومرّ في جهة الشمال مغرّبا

--> ( 1725 ) زحل عن مكانه : زلّ ، وبعد . ( 1726 ) فصّل ابن خلدون القول في هذا الموضوع في مقدمته . ( 1727 ) باب المندب Bab el Mandeb : هو المضيق الواقع في النهاية الجنوبية للبحر الأحمر .